السيد نعمة الله الجزائري
362
نور الأنوار في شرح الصحيفة السجادية
عليه ، فيرجع إلى قول مولانا أمير المؤمنين عليه السّلام يا من كان الحجاب بينه وبين خلقه خلقه إياهم ، يعني به أن كونهم مخلوقين أهل الحاجة والإمكان هو الحجاب بينهم وبينه جل شأنه لعدم الربط والمناسبة الذي هو شرط الإبصار والعلم ، والإبصار جمع محلّى باللام يفيد استغراق الأوقات أيضا ، فما ذهب إليه الأشاعرة من أنه جل جلاله يرى في الآخرة برؤية العين كالبدر ليلة التمام ميل منهم إلى التجسم وقول منهم بالجهة تعالى عما يقول الجاهلون علوا كبيرا . « واقتدر على الأشياء بالقدرة » يعني أن اقتداره على قهر الأشياء ليس مثل غيره من الملوك بالجنود والتوابع وإنما هو بقدرته الذاتية التي هي عين ذاته لا بقدرة كما توهمه ظاهر العبارة . « تثبت لرؤيته » لأن الأبصار إنما تثبت رؤيتها للجسم وتوابعه وما كان متحيزا ومقارنا للمادة . « ولا الأوهام تبلغ كنه عظمته » يجوز أن يراد من الأوهام المصطلح فيكون المعنى أن الأوهام لا يصدق حكمها إلا فيما كان محسوسا أو متعلقا بمحسوس كإدراك الشاة معنى في الذئب ، فأما الأمور المجردة عن علائق المادة والوضع فالوهم ينكر وجودها أصلا فضلا عن أن يصدق في إثبات صفة لها ، ويجوز أن يراد ما هو أعم من العقل فإن الفرق بين العقول والأوهام اصطلاح حكمي فيكون حاصله أن الحكم بإثبات صفاته وإن كان هو العقل الصرف إلا أن ما يثبته من صفاته ليس صفات حقيقة خارجية بل أمورا اعتبارية تجذبها عقولنا عند مقايسته إلى الغيرة ، وقوله كنه عظمته يجوز أن يراد منه صفاته الذاتية التي اتصف من أجلها بالعظمة والجلال وأن يراد منه كنه عظمة آثاره ومعلولاته فإن منها العرش وما فوقه والثرى وما تحته ولا يعلم ما هناك إلا هو . « تجبّر بالعظمة والكبرياء » قد عرفت أن التاء في مثل تجبر إنما هي للتفرد والتخصيص لا التكلف ، أي تفرد بالجبر وهو نفوذ المشية في كل شيء وقهر كل أحد ، أو بالجبروت مبالغة في الجبر كالرحموت مبالغة في الرحمة بسبب العظمة والكبرياء لأن العظيم المطلق والكبرياء